الشيخ محمد هادي معرفة
459
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )
2 - اختياره لبعض الأحداث دون بعض . فلم يُعنَ القرآن بتصوير الأحداث الدائرة حول شخص أو الحاصلة في امّة تصويرا تامّا كاملًا ، وإنّما يكتفي باختيار ما يساعده على الوصول إلى أغراضه ، أي ما يُلفت الذهن إلى مكان العظة وموطن الهداية ، ولعلّه من أجل ذلك كان القرآن ، يجمع في الموطن الواحد كثيرا من الأقاصيص التي تنتهي بالقارئ إلى غاية واحدة . 3 - كان لايهتمّ بالترتيب الزمني أو الطبيعي في إيراد الأحداث وتصويرها ، وإنّما يخالف في هذا الترتيب ويتجاوزه ، الأمر الذي أكثر من الإشارة إليه الأستاذ الشيخ محمد عبده . قال - بعد سرد قصص بني إسرائيل ذوات عبر من سورة البقرة - : جاءت هذه الآيات على أسلوب القرآن الخاصّ الذي لم يُسبق إليه ولم يُلحق فيه ، فهو في هذه القصص لم يلتزم ترتيب المؤرّخين ولا طريقة الكُتّاب في تنسيق الكلام وترتيبه على حسب الوقائع ، حتّى في القصّة الواحدة . وإنّما ينسق الكلام فيه بأسلوب يأخذ بمجامع القلوب ، ويحرّك الفكر إلى النظر تحريكا ، ويهزّ النفس للاعتبار هزّا . وقد راعى في قصص بني إسرائيل أنواع المنن التي منحهم اللّه تعالى إيّاها ، وضروب الكفران والفسوق التي قابلوها بها ، وما كان في أثر كلّ ذلك من تأديبهم بالعقوبات ، وابتلائهم بالحسنات والسيّئات ، وكيف كانوا يحدثون في أثر كلّ عقوبة توبة ، ويحدث لهم في أثر كلّ توبة نعمة ، ثمّ يعودون إلى بطرهم ، وينقلبون إلى كفرهم ! « 1 » وهكذا قصّة لوط جاءت في سورة الحجر : « فَلَمَّا جاءَ آلَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ . قالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ . قالُوا بَلْ جِئْناكَ بِما كانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ . وَأَتَيْناكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّا لَصادِقُونَ . فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَاتَّبِعْ أَدْبارَهُمْ وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ . وَقَضَيْنا إِلَيْهِ ذلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دابِرَ هؤُلاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ . وَجاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ . قالَ هؤُلاءِ ضَيْفِي فَلا تَفْضَحُونِ . وَاتَّقُوا اللَّهَ وَلا تُخْزُونِ . قالُوا أَ وَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعالَمِينَ . قالَ هؤُلاءِ بَناتِي إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ . لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ . فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ . . . » . « 2 »
--> ( 1 ) - تفسير المنار ، ج 1 ، ص 346 . ( 2 ) - الحجر 61 : 15 - 73 .